الشيخ محمد رشيد رضا
458
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالمعنى ، وقيل بدل كل أو بدل اشتمال منه فان قيل ما حكمة تخصيص هذه الأشياء بالذكر ؟ قلنا إن المعلوم - أو ما يتعلق به العلم - إما موجود وإما معدوم ، والموجود إما حاضر مشهود ، واما غائب في حكم المفقود ، وليس في الوجود شيء غائب عن اللّه تعالى فعلمه تعالى بالأشياء اما علم غيب وهو علمه بالمعدوم ، واما علم شهادة وهو علمه بالموجود ، وأما أهل العلم من الخلق فمن الموجودات ما هو حاضر مشهود لديهم ، ومنها ما هو حاضر غير مشهود لأنه لم يخلق لهم آلة للعلم به كعالم الجن والملائكة مع الانس ، ومنها ما هو غائب عن شهودهم وهم مستعدون لادراكه لو كان حاضرا ، وما هو غائب وهم غير مستعدين لادراكه لو حضر ، فكل ما خلقوا غير مستعدين لادراكه من موجود ومعدوم فهو غيب حقيقي بالنسبة إليهم ، وكل ما خلقوا مستعدين لادراكه دائما أو في بعض الأحوال فهو ان غاب عنهم غيب إضافي . وقد بين اللّه تعالي لنا في هذه الآية ان خزائن علم الغيب كلها عنده وعنده مفاتيحها وأسبابها الموصلة إليها ، وان عنده من علم الشهادة ما ليس عند غيره ، وذكر علي سبيل المثل علمه بكل ما في البر والبحر من ظاهر وخفي ، ثم خص بالذكر ثلاثة أشياء مما في البر - إحاطة علمه بكل ورقة تسقط من نبتة وكل حبة تسقط في ظلمات الأرض وكل رطب ويابس ، فأما الورق الذي يسقط فهو ما كان حيا رطبا من النبات فأشرف على اليبس وفقد الحياة النباتية واللحاق بمواد الأرض الميتة وقد يتغذى به حيوان بعد يبسه أو قبله أو يتحلل في الأرض بعد سقوطه ويتغذى به نبات آخر فيدخل في عالم الاحياء بطور آخر ، وأما الحب فهو أصل تكوين النبات الحي يسقط في ظلمات الأرض فمنه ما ينبت ويكون نجما أو شجرا ، ومنه ما يتغذى به بعض الاحياء من الحيوان كالطير والحشرات فيدخل في بنيتها كما قلنا فيما قبله ، وأما ذكر الرطب واليابس فهو تعميم بعد تخصيص في هذا الباب - فهذه الأشياء من عالم الشهادة تدخل في عالم الغيب ثم تبرز في عالم الشهادة . وعلم اللّه تعالى محيط بكل شيء منها على كثرتها ودقة بعضها وصغره وتنقله في أطوار الخلق والتكوين وما يتبعهما من الصور والمظاهر ، وحسبك هذا الايماء من حكمة تخصيصها بالذكر وفي هذه الآية مباحث لعلماء الآثار ، وجولات للنظار ، نذكر المهم منها في فصول :